محمد حسن بن معصوم القزويني

46

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء

والنيّات القلبية المتصوّرة بصور روحانية وجودها الادراك ، فإذا انقطعت علاقة النفس عن دار الفناء وحان أوان مسافرتها إلى دار البقاء وارتفعت عنها حجب الموادّ الظلمانية وخلصت عن عوائق الدنيا الدنيّة والتفتت إلى صحيفته صار الادراك فعليا والعلم عينيّا ، فيشاهد أعماله ويرى أفعاله . فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 1 » ، اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . « 2 » وبهذا المعنى يصحّ حديث الخلود ، فإنّ القول والعمل الفانيين لو كانا هما السبب ، لبقي المسبب مع زوال السبب ، وهو محال مع أنّه يقبح على الحكيم التعذيب أبدا على فعل قصير المدّة . وهذا حال الناقصين في الكمالات العلمية ، سواء كانوا ناقصين في الكمالات العملية أيضا أم لا ، فإنّ العمل لا يجدي مع نقصان العلم ، وأمّا من كان كاملا في العلم ناقصا في العمل منقادا لقوّتيه الشهوية والغضبية ، فهو وإن لم يحصل له الالتذاذ بما له من الكمالات بعد مفارقة روحه عن البدن ، فإنّ غفلة النفس وعدم التذاذها بالكمال ما دام « 3 » في البدن ليست لانطباعها فيه لتجرّدها بل للعلاقة التي لها معه وشوقها إلى تدبيره والاشتغال بآثاره ، فلو فارقته على هذه الحالة فكأنّها لم تفارقه لبقاء الشوق والعلاقة ، بل هو في هذه الحالة أسوء حالا من السابق ، لأنّه من جهة حصول اللذّات الحسّية له بالفعل لم يكن متأذّيا من فقد الكمال العقلي ، فكان كالمريض الممرور ، وفي هذه الحالة لما انقطعت عنه اللذّات الحسّية لفقدان آلتها مع بقاء ميله إليها وحصول الشوق الأصلي المغفول عنه أوّلا على وجه آكد لعدم شاغل عنه حينئذ ، فالميل البدني يجذبه إلى السفل ، والشوق يجذبه إلى العلو ، فيحدث له من الحركات المشوشة ما يعظم أذاه

--> ( 1 ) ق : 22 . ( 2 ) الإسراء : 14 . ( 3 ) كذا ، والظاهر : ما دامت .